الشيخ الكليني

364

الكافي ( دار الحديث )

الْمَالِ « 1 » وَلَكَ الرِّبْحُ ، وَعَلَيْكَ التَّوى « 2 » . فَقَالَ : « لَا بَأْسَ إِذَا اشْتَرَطَا « 3 » ، فَإِذَا كَانَ

--> ( 1 ) . في التهذيب ، ج 7 ، ص 186 : « مالي » . ( 2 ) . في الفقيه : « وما توي فعليَّ » بدل « وعليك التوى » . و « التوى » : هلاك المال . راجع : الصحاح ، ج 6 ، ص 2290 ( توا ) . ( 3 ) . قال المحقّق الشعراني في هامش الوافي : « قوله : اشتركا في مال ، ظاهره عقد الشركة اختياراً ، وقال الفقهاء : لايتحقّق الشركة في القيميّات ، بل يحدث باختلاطها الاشتباه ، ويجب التخلّص بالصلح والتبرئة ، ولا يحصل الشركة إلّافي المثليّات المتماثلة ، فإذا اختلط الشياه والثياب وأمثال ذلك لا يحصل فيها الشركة ، فإن أريد حصولها لزمهم المعاوضة على حصّة معيّنة ، وكأنّ الشركة في المثلي إجماعي ، وهي المسمّاة بشركة العنان ، وأمّا شركة الوجوه والمفاوضة والشركة في العمل فلم يدلّ دليل على مشروعيّتها ، بل الإجماع على عدمها والتفصيل في الفقه . قوله : لك الربح وعليك التوى ، قال في المسالك [ ج 4 ، ص 265 ] : هذا إذا كان عند انتهاء الشركة وإرادة فسخها ؛ لتكون الزيادة مع من بقي معه بمنزلة الهبة ، والخسران على من هو عليه بمنزلة الإبراء ، أمّا قبله فلا ؛ لمنافاته وضع الشركة شرعاً . قوله : لا بأس إذا اشترطا ، هذا شرط بعد انقضاء عقد الشركة ومضيّ مدّة كثيرة ، وليس من الشروط الابتدائيّة التي لا يجب الوفاء بها ، بل الظاهر منه أنّه عقد صلح على ما ذكره في الحديث ، فيدلّ الحديث على أنّ العقد على كلّ التزام ومعاوضة جائزة إذا لم تكن مضامين الشروط مخالفة للكتاب والسنّة ، وهو مؤيّد لعموم قوله تعالى : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » [ المائدة ( 5 ) : 1 ] ويستفاد جواز كلّ عقد وإن لم يسمّ بهذه الأسماء المعروفة ، كالبيع والإجارة والعارية ، وهو الصلح المطلق . ثمّ إنّه لو كان هذا الشرط في عقد الشركة نفسها ذهب جماعة من فقهائنا إلى بطلان الشرط وإبطال عقد الشركة ببطلانه ، وهذا مذهب ابن إدريس والمحقّق ، وقال جماعة بصحّة الشرط والعقد ، وهو مذهب السيّد والعلّامة رحمه الله . وذهب أبو الصلاح إلى صحّة الشركة دون الشرط ، وربّما يظنّ أنّ عدم تساوي النسب في حصص الربح ورأس المال مخالف لمقتضى الشركة . وليس كذلك ؛ لأنّ الشرط المخالف لمقتضى العقد الذي يوجب بطلان العقد هو ما يدلّ على عدم قصد المعاملة ، فمن باع بشرط عدم الثمن فهو بمنزلة من لم يقصد البيع ، بخلاف الشركة مع تخصيص أكثر الربح بأحد الشركاء ؛ فإنّه لا ينافي قصد الشركة ، بل تخصيص جميع الربح أيضاً بأحدهم لا ينافيها ، وإنّما ينافي قصد الشركة أن يشترطوا عدم استحقاق أحد الشركاء لسهمه من رأس المال ، وفي كون الشركة مخالفاً لمقتضى العقد وتفسيره كلام كثير لا حاجة إلى ذكره ، وربّما يورد أمثلة حكموا بصحّتها مع مخالفتها لمقتضى العقد ، كشرط الضمان في العاريّة والتفصيل في محلّه . وأمّا قول أبي الصلاح بصحّة الشركة دون الشرط فمشكل ؛ لأنّ الرضا بتصرّف الشركاء في المال والبيع والاشتراء إذا كان معلّقاً على اختصاص ربح أكثر ببعضهم ، ولم يحصل هذا الشرط على مذهبه ، فلم يحصل الرضا بأصل المعاملة ؛ لعدم تحقّق ما علّقت عليه ، ولا ريب أنّ الرضا في معاملة إن كان معلّقاً على أمر محرّم ، أو على أمر غير محقّق كان موجباً لعدم صحّتها ، والشرط الفاسد في العقد مفسد ؛ لأنّ التجارة مشروطة في القرآن الكريم بالتراضي ، ولا يحلّ مال امرئ إلّابطيب نفسه ، ولا يجوز قهر الناس على شيء وغصب أموالهم والتصرّف فيها بغير رضاهم إلّابدليل ، كبيع أموال المفلس والمحتكر . وأمّا احتمال رضا المشروط له بأصل المعاملة ولو مع عدم الشرط وإن كان معقولًا ، لكنّ الكلام في الاعتماد على مفاد العقد المشتمل على الشرط ، ولا ريب أنّه يدلّ على الرضا المشروط ، واستنباط الرضا مع عدم الشرط يتوقّف على دالّ آخر غير العقد المشتمل على الشرط ، ولكنّ بعض علمائنا حكم بصحّة العقد وبطلان الشرط ، والتفصيل لا يناسب هذا الموضع ، واستدلّ عليه بحديث بريرة عائشة ، حيث اشترتها عائشة واشترطت لمواليها ولاءها ، ثمّ أعتقتها ، فصحّح رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الاشتراء والإعتاق ، وأبطل الولاء ؛ لأنّ الولاء لمن أعتق ، ولكنّ تفصيل قصّة بريرة مختلف بحسب الروايات ، ويستفاد من بعضها أنّ بريرة كاتبت مواليها ، فعجزت عن أداء مال الكتابة ، فتوسّلت بعائشة ، وأعطتها عائشة مالًا تؤدّيه إلى مواليها بإزاء مال الكتابة ، فلم يكن اشتراء وبيع وشرط في عقد ، ولا يجوز الخروج عن الأصول الضروريّة ، ومنها عدم حلّ مال أحد بغير رضاه بمثل هذا الخبر . نعم ورد في النكاح الأدلّة على الصحّة مع بطلان الشروط ، بل المهر أيضاً ، ولا يجوز قياس غيره عليه ، فلعلّ البضع في نظر الشرع ينبغي أن لا يكون في معرض الفسخ والإقالة والنقل والانتقال الكثير ؛ لأهمّيّة حفظ الحياء في النسوان من سائر الأمور ، ولا يبعد أن يقال : إن أريد بصحّة العقد قابليّته لأن يلحقه الرضا ، كعقد المكره والفضولي فله وجه ، وإن أريد بصحّته وقوعه متزلزلًا فيجوز للمشروط له الفسخ ، كما في المعيب ، ولكنّ العقد مؤثّر ما لم يفسخ ، فهذا بعيد إلّاأن يعلم رضى المشروط له بالعقد ولو مع عدم حصول الشرط له ، أو سكت عن الفسخ مع علمه ، فيجعل أنّه يجوز له أن يفسخ العقد سكوته عن الفسخ واستمراره على البيع ممّا يدلّ على رضاه ، وليس أصل العقد مع فساد الشرط تجارة من غير تراض ، فهو كفقدان الأوصاف والعيب الذي لم يرض المشتري إلّابالصحيح وواجد الأوصاف ، وأمّا إن أريد بالصحّة وقوعه لازماً مع عدم الشرط - كما في النكاح المشروط بالشرط الفاسد - فالحقّ أنّه ليس كذلك ؛ لأنّه تجارة لا عن تراض » .